الذكاء الاصطناعي داخل الهاتف.. كيف تعمل المعالجة المحلية ولماذا تتنافس الشركات عليها؟

لم يعد تطور الذكاء الاصطناعي مرتبطًا فقط بالنماذج الضخمة التي تعمل داخل مراكز البيانات. فجزء متزايد من المهام يمكن تنفيذه مباشرة على الهاتف الذكي، من تلخيص النصوص وتصحيح الكتابة إلى تحليل الصور ومعالجة الصوت، دون الحاجة إلى إرسال كل طلب إلى خادم بعيد.

هذا التحول يُعرف باسم الذكاء الاصطناعي على الجهاز (On-device AI)، وهو يغيّر طريقة تصميم الهواتف ومعالجاتها وتطبيقاتها. وبدل أن يكون الهاتف مجرد نافذة للوصول إلى خدمة سحابية، يصبح قادرًا على تنفيذ بعض عمليات الذكاء الاصطناعي بنفسه.

لكن المعالجة المحلية لا تعني أن الهاتف يستطيع تشغيل كل نموذج متقدم أو الاستغناء عن الإنترنت نهائيًا. فالنتيجة تعتمد على قوة الجهاز، وحجم النموذج، وطبيعة المهمة، وطريقة تصميم التطبيق.

مكان المعالجة

داخل الهاتف

تنفيذ المهام التي يدعمها النموذج المحلي دون إرسال الطلب كاملًا إلى السحابة.

المكوّن المهم

NPU

وحدة متخصصة لتسريع كثير من عمليات الشبكات العصبية بكفاءة.

أهم القيود

الذاكرة والطاقة

يجب أن يوازن الهاتف بين الأداء واستهلاك البطارية والحرارة والذاكرة.

ما المقصود بالذكاء الاصطناعي الذي يعمل داخل الهاتف؟

في الأسلوب السحابي التقليدي، يرسل التطبيق الطلب عبر الإنترنت إلى خوادم تشغّل نموذج الذكاء الاصطناعي، ثم يستقبل النتيجة. أما في المعالجة المحلية، فيُشغّل نموذج مناسب على الجهاز نفسه، ويعالج البيانات باستخدام المعالج والذاكرة المتاحين.

تخيّل أنك تريد تلخيص مجموعة من الملاحظات أو إعادة صياغة رسالة. إذا كانت الميزة مدعومة بنموذج محلي، فقد يتم تنفيذ العملية داخل الهاتف. أما إذا طلبت تحليلًا طويلًا ومعقدًا أو معلومات حديثة تحتاج إلى البحث عبر الإنترنت، فقد يعتمد التطبيق على خوادم خارجية، أو يجمع بين المعالجة المحلية والسحابية.

كيف تسير العملية محليًا؟

1. إدخال

نص أو صورة أو صوت

2. معالجة

النموذج المحلي والذاكرة

3. إخراج

نص أو نتيجة أو إجراء

مخطط توضيحي مبسط؛ قد تختلف خطوات التنفيذ حسب نظام التشغيل والتطبيق.

ما دور معالج NPU في الهواتف الحديثة؟

يتكون نظام الهاتف عادة من وحدات متعددة، أبرزها وحدة المعالجة المركزية CPU، ووحدة معالجة الرسوميات GPU، وفي بعض المنصات وحدة متخصصة لمعالجة الشبكات العصبية تُعرف باسم NPU أو تُدمج ضمن منظومة تسريع الذكاء الاصطناعي.

تتولى CPU مجموعة واسعة من المهام العامة، وتبرع GPU في العمليات المتوازية والرسوميات، بينما صُممت NPU لتسريع أنواع من الحسابات المتكررة التي تحتاج إليها نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد يؤدي توزيع العمل بين هذه الوحدات إلى تحسين الأداء وكفاءة الطاقة، وفق تصميم الشريحة والبرنامج.

لهذا السبب، لا يكفي النظر إلى سرعة المعالج التقليدية أو عدد أنويته عند تقييم قدرة هاتف على تشغيل الذكاء الاصطناعي. فالأداء يتأثر أيضًا بقدرات وحدة التسريع، والذاكرة، وتحسين النموذج، ودعم نظام التشغيل والتطبيق لهذه المكونات.

المكوّن الدور العام علاقته بالذكاء الاصطناعي
CPU المهام العامة والتحكم تنفيذ أجزاء من سير العمل وإدارة المهام
GPU الرسوميات والحسابات المتوازية تسريع بعض عمليات النماذج والحوسبة
NPU تسريع عمليات الشبكات العصبية تشغيل مهام ذكاء اصطناعي مدعومة بكفاءة مناسبة

ملاحظة: هذا وصف عام؛ تختلف البنية الفعلية وأسماء وحدات التسريع من منصة إلى أخرى.

ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي المحلي أن يفعل؟

تعتمد الاستخدامات المتاحة على الهاتف ونظام التشغيل والتطبيق واللغة المدعومة. ومن أبرز المهام التي يمكن تنفيذها محليًا، عند توفر النموذج المناسب:

  • تلخيص النصوص: اختصار ملاحظات أو رسائل أو محتوى محدد إلى نقاط أساسية.
  • تحسين الكتابة: إعادة صياغة الرسائل، وتصحيح الأخطاء، واقتراح أساليب أكثر وضوحًا.
  • معالجة الصوت: تحويل الكلام إلى نص أو دعم بعض مهام الترجمة والتعرف على الصوت.
  • فهم الصور: وصف محتوى صورة أو استخراج معلومات منها في التطبيقات التي تدعم ذلك.
  • تحسين التصوير: استخدام خوارزميات التعلم الآلي في معالجة الصور والمشاهد، وهي قدرات قد تكون مدمجة منذ سنوات في الهواتف.
  • مساعدة التطبيقات: تقديم اقتراحات أو تنفيذ خطوات محددة وفق الصلاحيات التي يمنحها المستخدم للتطبيق.

وتعرض أدوات Android المدعومة بنموذج Gemini Nano أمثلة مثل التلخيص والتدقيق وإعادة الصياغة ووصف الصور والتعرف على الكلام. كما توضح Apple أن نماذجها تجمع بين التشغيل على الجهاز والمعالجة عبر بنيتها السحابية الخاصة لبعض المهام. وهذا يؤكد أن التطبيقات قد تستخدم أكثر من مسار بحسب نوع الطلب.

لماذا تريد الشركات تشغيل الذكاء الاصطناعي على الجهاز؟

1. استجابة أسرع في بعض المهام

عندما لا يحتاج الطلب إلى رحلة ذهاب وإياب عبر الإنترنت، يمكن تقليل زمن الاتصال بالخادم. وقد تكون النتيجة أسرع وأكثر ثباتًا في المهام المحلية القصيرة، لكن السرعة الفعلية تعتمد على الجهاز والنموذج وحجم البيانات.

2. خصوصية أفضل في سيناريوهات معينة

معالجة البيانات داخل الهاتف يمكن أن تقلل الحاجة إلى إرسال محتوى حساس إلى جهة خارجية. لكنها لا تعني أن كل ميزة ذكاء اصطناعي تحافظ تلقائيًا على البيانات محليًا؛ فقد يتصل التطبيق بالسحابة أو يرسل بعض المعلومات وفق طريقة عمله وإعداداته.

3. العمل دون اتصال في بعض الحالات

يمكن للميزات المبنية بالكامل على نموذج محلي أن تعمل دون إنترنت، ما دام النموذج والموارد المطلوبة متاحة على الجهاز. أما البحث عن معلومات حديثة أو الوصول إلى خدمات عبر الإنترنت فيظل محتاجًا إلى اتصال مناسب.

4. تقليل الاعتماد على الخوادم لبعض الاستخدامات

تنفيذ المهام البسيطة محليًا قد يخفف عدد الطلبات المرسلة إلى الخوادم. لكنه لا يلغي الحاجة إلى مراكز البيانات، خصوصًا عند تدريب النماذج أو تشغيل أنظمة أكبر أو معالجة الطلبات التي تتجاوز إمكانات الهاتف.

ارتباط بالخبر السابق في TECH PORT

تزداد أهمية المعالجة المحلية مع تطور المعالجات المخصصة للذكاء الاصطناعي. اقرأ أيضًا:

معالجات Snapdragon والذكاء الاصطناعي على الهواتف

يركز هذا المقال على كيفية استخدام قدرات الهاتف محليًا، وليس على إعادة سرد مواصفات المعالج أو خبر إطلاقه.

ما حدود الذكاء الاصطناعي داخل الهاتف؟

رغم تطور المعالجات، لا يزال تشغيل النماذج محليًا يواجه قيودًا تختلف من جهاز إلى آخر. فالهاتف يعمل ضمن ميزانية محدودة من الطاقة والذاكرة والتبريد، بخلاف مراكز البيانات التي يمكنها استخدام خوادم ومسرّعات أكبر.

حجم النموذج

النماذج الأكبر قد تحتاج إلى ذاكرة وقدرات حسابية تتجاوز ما يناسب الهاتف.

البطارية والحرارة

تشغيل مهام مكثفة لفترات طويلة قد يرفع استهلاك الطاقة ودرجة حرارة الجهاز.

جودة النتائج

النموذج الأصغر قد يكون أسرع، لكنه لا يحقق دائمًا مستوى النموذج الأكبر.

التوافق واللغة

قد تتطلب بعض الميزات جهازًا محددًا أو إصدارًا معينًا، وقد يختلف دعم العربية حسب الأداة.

ولهذا تلجأ بعض الأنظمة إلى نهج هجين: تنفذ المهام القصيرة أو الحساسة محليًا عندما يكون ذلك مناسبًا، ثم تستخدم السحابة للطلبات التي تحتاج إلى قدرات أكبر. ولا يعني وجود معالج NPU في الهاتف أن جميع التطبيقات تستطيع الاستفادة منه تلقائيًا؛ إذ يتطلب ذلك دعمًا برمجيًا وتوافقًا مع المنصة.

تنبيه مهم بشأن الخصوصية

لا تفترض أن أي ميزة تحمل اسم «الذكاء الاصطناعي» تعمل محليًا. راجع إعدادات التطبيق وسياسة الخصوصية، وتحقق مما إذا كانت المعالجة تتم على الجهاز أو عبر الإنترنت، خصوصًا قبل إدخال معلومات شخصية أو مالية أو ملفات عمل حساسة.

هل يحتاج المستخدم إلى هاتف جديد للاستفادة من هذه التقنيات؟

ليس بالضرورة. بعض ميزات الذكاء الاصطناعي تعمل عبر الإنترنت على طيف واسع من الهواتف، بينما تتطلب ميزات المعالجة المحلية مواصفات وذاكرة ونظام تشغيل محددًا. كما يمكن أن تصل بعض الوظائف إلى أجهزة أقدم عبر تحديثات البرامج، في حين تبقى وظائف أخرى حصرية لأجهزة معينة.

قبل شراء هاتف بهدف استخدام الذكاء الاصطناعي، تحقق من أسماء الميزات المدعومة فعليًا في بلدك ولغتك، ومن حاجتها إلى اتصال بالإنترنت، ومتطلبات الذاكرة، وسياسة معالجة البيانات. ولا تعتمد على عبارة «هاتف مدعوم بالذكاء الاصطناعي» وحدها للحكم على قدراته.

رسم توضيحي لهاتف ذكي يعالج مهام الذكاء الاصطناعي داخل الهاتف محليًا باستخدام معالج عصبي NPU.

ما علاقة الذكاء الاصطناعي المحلي باستهلاك الكهرباء؟

قد يؤدي نقل بعض المهام من السحابة إلى الجهاز إلى تقليل الحاجة إلى إرسال الطلبات وتشغيل الخوادم لهذه المهام، لكن حساب الأثر الكلي ليس بهذه البساطة. فالتشغيل المحلي يستهلك أيضًا طاقة الهاتف، بينما تعتمد النتيجة النهائية على كفاءة النموذج، وعدد مرات استخدامه، وحجم المهمة، والطاقة اللازمة لتشغيل البنية السحابية.

لذلك لا يمكن القول إن كل عملية محلية أقل استهلاكًا للطاقة في جميع الظروف، أو إن انتشار الذكاء الاصطناعي المحلي سيؤدي وحده إلى خفض استهلاك مراكز البيانات. الأهم هو تحسين الكفاءة واختيار مكان المعالجة وفق طبيعة المهمة.

لمعرفة الصورة الأكبر، اقرأ تحليل TECH PORT حول:
استهلاك مراكز البيانات للطاقة والتحديات التي تواجه تشغيل الذكاء الاصطناعي

إلى أين يتجه الذكاء الاصطناعي على الهواتف؟

الاتجاه الأبرز ليس بالضرورة نقل كل الذكاء الاصطناعي إلى الهاتف، بل توزيع العمل بين الجهاز والسحابة بصورة أكثر مرونة. فالهاتف مناسب لكثير من المهام الشخصية القصيرة التي تستفيد من السرعة وتقليل نقل البيانات، بينما تظل الخوادم مهمة للمهام المعقدة وتوفير النماذج والخدمات واسعة النطاق.

وستتأثر تجربة المستخدم مستقبلًا بتكامل ثلاثة عناصر: المعالج، والنموذج، ونظام التشغيل. فزيادة قدرة الشريحة وحدها لا تكفي إذا لم تُحسن البرمجيات استغلالها، كما أن النموذج الجيد يحتاج إلى ذاكرة وطاقة وتحديثات مناسبة ليقدم تجربة مستقرة.

الخلاصة

يمثل الذكاء الاصطناعي داخل الهاتف تحولًا من الاعتماد الدائم على الخدمات السحابية إلى تنفيذ بعض المهام مباشرة على الجهاز. ويمكن أن يوفر ذلك استجابة أسرع، ويدعم العمل دون اتصال في حالات محددة، ويقلل إرسال البيانات إلى الخارج عندما تكون المعالجة محلية فعلًا.

لكن هذه المزايا ليست مطلقة؛ إذ تتوقف على قدرات الهاتف والتطبيق والنموذج، وقد تظل السحابة ضرورية للمهام الأكثر تعقيدًا. وبالنسبة للمستهلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الهاتف «يحتوي على ذكاء اصطناعي»، بل ما الميزات التي يعمل بها محليًا، وما حدودها، وكيف تتعامل مع بياناته.

TECH PORT | تك بورت — أخبار التقنية والسيارات والرياضة والاقتصاد والطاقة

أضف تعليق